ترجم التدريسي في كليتنا الدكتور محمد حسن كحط مقالًا علميًا عن أثر انتهاكات نزاهة الانتخابات في الولايات المتحدة على الروابط الحزبية لدى الناخبين، والمنشور في المجلة الدولية المحكمة British Journal of Political Science.
نص المقال
تتناول هذه المقالة إشكالية نزاهة الانتخابات بوصفها الركن الجوهري للحكم الديمقراطي، وتبحث في كيفية تأثير انتهاكاتها على الروابط الحزبية لدى الناخبين في الولايات المتحدة الأميركية. ينطلق الباحث لوريتس إف. أرسليو (Laurits F. Aarslew) من ملاحظة أساسية مفادها أن الأدبيات الحديثة تُظهر أن الناخبين نادراً ما “يُعاقبون”، السلوكيات المناهضة للديمقراطية، مثل التلاعب في الدوائر الانتخابية (gerrymandering)، أو تقييد الوصول إلى صناديق الاقتراع، أو تجاهل قرارات القضاء، عندما يستلزم ذلك التصويت لحزب الخصم، الأمر الذي دفع بعض الباحثين إلى الاستنتاج بأن الأحزاب قادرة على تقويض القواعد الديمقراطية دون كلفة انتخابية تُذكر. غير أن هذه القراءة، في نظر الباحث، قد تبالغ في تقدير ضعف الالتزام الشعبي بالديمقراطية.
بدلاً من الاقتصار على قياس العقاب الانتخابي عبر “سلوك التصويت” فقط، يقترح المقال التركيز على الروابط الحزبية الانفعالية (partisan affective attachments) باعتبارها مؤشراً أدق وأكثر مرونة لدعم الأحزاب. يقصد بهذه الروابط شعور الناخب بالانتماء النفسي والعاطفي إلى حزب ما، سواء في شكل تعاطف إيجابي مع “الحزب الداخلي” أو عداء وانفعال سلبي تجاه “الحزب الخارجي”. يفترض الباحث أن انتهاك القواعد الانتخابية قد لا يدفع الناخب فوراً إلى تغيير تصويته، لكنه يمكن أن يضعف تدريجياً ارتباطه العاطفي بالحزب، ويعيد تشكيل مواقفه تجاه الحزب الآخر.
لاختبار هذه الفرضية، يعتمد المقال على ثلاث تجارب مسحية مسجَّلة مسبقاً، أُجريت على عيِّنات واسعة تمثيلية من الناخبين الأميركيين بلغ مجموعها 8800 مشاركاً. صُمِّمت التجارب الثلاث على نحوٍ تدرُّجي: التجربة الأولى تقدِّم سيناريوهات واضحة وصريحة لانتهاكات انتخابية جسيمة، مثل الاحتيال في الاقتراع البريدي ونشر معلومات مضلِّلة حول موعد الاقتراع، بهدف قياس الأثر “الأقصى” لمثل هذه الانتهاكات على كلٍّ من نوايا التصويت والروابط الحزبية. أمّا التجربة الثانية فتتناول حالة أكثر غموضاً قانونياً وسياسياً، هي التقطيع الحزبي للدوائر الانتخابية، بوصفه شكلاً أقل فجاجة لكنه ذو أثر مؤسسي عميق على عدالة التمثيل. أمّا التجربة الثالثة فتضيف بعداً إعلامياً؛ إذ تُقدَّم المعلومات عن الانتهاك الانتخابي عبر قناةٍ إخبارية أميركية متحيِّزة للحزب أو معادية له، مثل قناة Fox News التي يُنظر إليها بوصفها ذات توجّه محافظ، أو قناة MSNBC التي تُعدّ غالباً ذات توجّه ليبرالي، وذلك لقياس دور مصدر المعلومة في تشكيل استجابة الناخب
تكشف النتائج عن صورة مركبة؛ فمن جهة، تؤكد التجارب الثلاث ما توصلت إليه دراسات سابقة من أن معظم المنتمين حزبياً لا يذهبون إلى حدّ “معاقبة” حزبهم انتخابياً بالتصويت للحزب الآخر، حتى عندما تكون المخالفة الانتخابية صريحة وواضحة.
وهذا يعيد إنتاج فكرة أن الحوافز الحزبية والسياسية غالباً ما تتغلب على الاعتبارات المعيارية في لحظة الاقتراع. لكن من جهة أخرى، تبيّن النتائج أن مجرد اطّلاع الناخبين على انتهاكات خطيرة لنزاهة الانتخابات التي يرتكبها حزبهم يؤدِّي إلى تآكل الروابط الحزبية لديهم، حيث تنخفض مستويات التعاطف مع الحزب الداخلي، وفي بعض الحالات تتراجع أيضاً مشاعر العداء تجاه الحزب الخارجي، ما يخلق حالة من “الازدواجية الحزبية” أو التردد إزاء كلا الطرفين.
تُظهر الدراسة كذلك أن لهذه الآثار بُعداً تواصلياً؛ إذ يتضح أن الناخبين أكثر ميلاً لتعديل روابطهم الحزبية عندما تأتي المعلومات عن الانتهاكات من مصدر إعلامي متوافق مع توجُّههم الحزبي، بينما يميلون إلى التشكيك أو التقليل من شأن المعلومات ذاتها إذا نُقلت عبر مصدر يُنظر إليه على أنه معادٍ حزبياً. يشير ذلك إلى أن “مؤسسات الربط” بين المجتمع والنظام السياسي، وعلى رأسها وسائل الإعلام الحزبية أو شبه الحزبية، يمكن أن تلعب دوراً محورياً في تفعيل آليات المساءلة عن الانتهاكات الانتخابية أو تعطيلها.
بناءً على ما سبق، يجادل المقال بأن الحديث عن “حصانة” الأحزاب تجاه كلفة تقويض الديمقراطية قد يكون مبالغاً فيه؛ فحتى إن لم يُترجَم الاستياء الشعبي مباشرة إلى تغيير في التصويت على المدى القصير، فإن تآكل الروابط الحزبية يُعدّ كلفة سياسية حقيقية، يمكن أن تُضعف القاعدة الحزبية على المدى البعيد وتعيد رسم الخريطة الانفعالية والسياسية للنظام الحزبي. وبذلك تساهم هذه المقالة في إعادة تقييم أطروحات ترى أن الناخبين “أنصار أحزاب أولاً وديمقراطيون ثانياً”، وتقدِّم صورة أكثر توازناً تُظهر وجود حدود لما يمكن أن يتسامح معهالناخب الحزبي من انتهاكات تمسّ نزاهة الانتخابات كإحدى ركائز الشرعية الديمقراطية




